الشيخ محمد النهاوندي
318
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، بل بصرف إرادته فَيَكُونُ ويوجد بمجرّد نفاذ قدرته ، ولا يحتاج في خلقه إلى فكر ، واستعانة بشيء ، وتحقّق مادّة ، ومضيّ مدّة ، فتمّ البرهان القاطع على امتناع أن يكون شيء ممّا سواه ولدا له ، حيث إنّ لازم الولادة هو الحدوث والمسبوقيّة بالعدم ، وكلّ مسبوق بالعدم مخلوق بإفاضة الوجود عليه من الواجب ، والمخلوق لا يعقل أن يكون ولدا لخالقه ، والوالد لا يمكن أن يكون موجدا ومالكا . ولذا احتجّ في مواضع من الكتاب العزيز على القائلين بأن اللّه ولدا بأنّ من في السّماوات والأرض عبيد له ، وأنّه إذا قضى أمرا يقول له : كن فيكون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 118 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) ثمّ إنّه تعالى لمّا بيّن شركهم واتّخاذهم الولد للّه ، عقّبة بذكر شبهاتهم السّخيفة في النبوّة ، وإنكارهم لها عن تعنّت وعناد بقوله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ من جهلة قريش والمشركين وسفهاء أهل الكتاب لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ كما تدّعي أنّه كلّم موسى في الطّور وكلّمك في معراجك أَوْ تَأْتِينا من السّماء . آيَةٌ من كتاب وصحيفة ، كما قال تعالى : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً « 1 » وقال : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ « 2 » . وتقرير الشبهة أنّ اللّه حكيم ، والحكيم إذا أراد الوصول إلى غرض لا بدّ أن يختار أقرب طرق الوصول إليه ، فإذا أراد اللّه تعالى هدايتنا ، فأقرب الطرق إليها أن يكلّمنا بنفسه مشافهة ، كما كلّم الملائكة والأنبياء فإنّه أقرب إلى التّصديق وأبعد من الشّكوك والشبهات ، أو ينزّل عليها كتابا يصرّح فيه بنبوّتك ، فردّ اللّه عليهم بقوله : كَذلِكَ القول السّخيف قالَ الَّذِينَ كابروا أنبياءهم مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الماضية مِثْلَ قَوْلِهِمْ من التعنّتات والاقتراحات ، بل فاقوا عليهم بقولهم : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً « 3 » وقالوا لعيسى : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ « 4 » فهؤلاء والسّابقون عليهم من المصرّين على الكفر تَشابَهَتْ وتماثلت قُلُوبُهُمْ في العمى والعناد وعدم التفقّه ، لأنّ المكذّبين للرّسل طينتهم واحدة وأقوالهم وأفعالهم متماثلة . قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ الباهرات ، وأوضحنا صدقك بهذا القرآن الذي هو من أعظم المعجزات ،
--> ( 1 ) . المدثر : 74 / 52 . ( 2 ) . النساء : 4 / 153 . ( 3 ) . النساء : 4 / 153 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 112 .